الجمعيات بالمغرب.. إكراهات مالية وضريبية تضيع فرص المساهمة في التنمية

في الوقت الذي تضطلع فيه جمعيات المجتمع المدني بأدوار متقدمة في تنزيل الاستراتيجيات الحكومية، وفي العناية بعدد من الفئات الاجتماعية الهشة، وفي القيام بأدوار متنوعة، مزيلة عن الدولة مجموعة من الأعباء، مازالت العديد من الاكراهات تثقل كاهل الجمعيات بالمغرب، وتحول دون قيامها بأدوارها بالكيفية المطلوبة.

من غياب الامتيازات، إلى ثقل الإكراهات الضريبية، وعدم الاستفادة من الإعفاءات، تمتد مشاكل عدد مهم من جمعيات المجتمع المدني وتتنوع، وخاصة مشاكل جمعيات الرعاية الاجتماعية، وهي التي يُجمل جمعويون أسبابها ومنطلقها الأساس في غياب نظام ضريبي عادل خاص بالجمعيات.

القيام بالأدوار الاجتماعية ورعاية الفئات الهشة، والبحث عن تعبئة الموارد وغيرها من الأدوار المهمة، لا يقي الجمعيات، التي ليس لها طبيعة ربحية، من أن تصبح في عرف المشرع المغربي، والعديد من المؤسسات العمومية المغربية، بمثابة شركات يطبق عليها ما يطبق على غيرها ممن يراكم الأرباح وينمي رأسماله بشكل يومي، الأمر الذي يضع المتتبع أمام مفارقة كبيرة.

في هذا الملف، قادتنا رحلة البحث في هذه المفارقة، وفي غياب نظام ضريبي خاص بالجمعيات، وأسباب هذا الوضع والحلول الممكن استشرافها، (قادتنا) إلى استجلاء أراء خبراء وبرلمانيون، وفاعلون في حركة “ميرلا” المطالب بنظام ضريبي عادل للجمعيات، إلى أن وصلت بنا إلى فتح دفاتر ميزانية جمعية رعاية اجتماعية، التي قلّبناها بحثا عن مصادر التموين وأوجه صرفه، لنقف عن قرب عند الصعوبات والتحديات.

في هذا الملف نصحب القراء إلى فهم مشاكل جمعيات المجتمع المدني، خاصة المرتبطة بالجانب المالي والجبائي، ونسلط الضوء على ما تعيشه جمعيات الرعاية الاجتماعية من صعوبات تكاد تُقوض صمودها.

الصفريوي: أي تخفيف من العبء الضريبي عن الجمعيات لصالح المجتمع

يعد العبء الضريبي أحد أكبر الاكراهات التي تواجه عمل جمعيات المجتمع المدني، ولهذا تنصب مختلف التعديلات المقترحة على النصوص القانونية على التخفيف منه، في أفق خلق مناخ قانوني يكفل نظام ضريبي عادل للجمعيات.

من جانبه، يؤكد عزيز الصفريوي، رئيس جمعية دارنا بالصويرة، أن المغرب لا يتوفر على مدونة للعمل الجمعوي، ما يجعل الجمعيات، التي ليس لها طبيعة ربحية، تصنف مثلها مثل الشركات، سواء في مدونة الشغل أو مدونة الضرائب، إذن كيف يعقل أننا كجمعيات مجتمع مدني، وخاصة جمعيات الرعاية الاجتماعية، نقدم خدمات من المفروض أن تقدمها الدولة، ومع ذلك يطبق عليها نفس النظام الضريبي والجبائي الذي يطبق على الشركات التي تسعى إلى الربح.

أمام هذا الوضع الذي يتم فيه إثقال كاهل الجمعيات وفرض ضرائب عليها، وعدم تمييزها عن الشركات، يتضح، حسب الصفريوي، أن هناك غياب تكافؤ الفرص، مضيفا “نحن لا نطلب من الدولة شيء، نحن نطالب فقط بإعفائنا من بعض التكاليف، كما هو الأمر في مجموعة من القطاعات، وكما هو الأمر بالنسبة للجمعيات التي تصنف على أنها ذات منفعة عامة”.

وتساءل رئيس جمعية دارنا بالصويرة حول أسباب عدم تصنيف المشرع لجمعيات الرعاية الاجتماعية ضمن جمعيات المنفعة العامة التي من الممكن أن تخول لهم بعض الامتيازات، مع العلم أن عدد من الجمعيات ذات المنفعة العامة يكون لديها أنشطة ثقافية ليس لها أحيانا أثر مباشر على المجتمع كما هو الأمر بالنسبة لجمعيات الرعاية الاجتماعية.

ما يمكن القيام بها لصالح هذه الجمعيات، وفق الفاعل الجمعوي نفسه، هو أن يتم إعفاؤها من الضريبة على القيمة المضافة، ذلك أن القيمة المضافة هي أول ما تصطدم به الجمعيات عند قيامها بتعبئة موارد أو اقتناء تجهيزات أو مواد غذائية أو تمويل مشاريع فئات اجتماعية من أجل تمكينها اقتصاديا، ذلك أن الجمعيات لا يحق لها أن تعوض عن قيمة الضرائب المستخلصة لأنها تعتبر مثل أي مستهلك آخر.

أي تخفيف من العبء الضريبي عن الجمعيات سيكون لصالح المجتمع، يؤكد الصفريوي، “فإذا كنا مثلا نتكفل بـ 60 طفلا، وتم توفير 20 بالمئة من الميزانية السنوية التي تصرف في الضرائب، سيكون بإمكاننا الوصول إلى 80 طفلا مستفيد، مما يعني أن الإعفاء ليست غايته الربح لكن رفع عدد المستفيدين، وهذا بمثابة إعادة استثمار، لأن الدولة لن تخسر في ذلك، إذ سيكون بإمكان الجمعيات تجويد خدماتها أو الرفع من المستفيدين”.

بالنسبة للصفريوي فعدم تكافؤ الفرص يبدو بجلاء إذا ما استحضرنا مثلا أن جمعيات الرعاية الاجتماعية يفرض عليها دفتر تحملات قبل تسلم الرخصة ولا يتم إعفاؤها، بينما جمعيات تصنف على أنها ذات منفعة عامة تستفيد من دون أن تفرض عليها الشروط نفسها.

وأورد المتحدت “اليوم المشرع مدعو إلى التفكير في كيفية تعبئة مداخيل لصالح الجمعيات في إطار الضريبة التضامنية”، مضيفا “في مدينة الصويرة كانت لدينا مجموعة من التجارب الناجحة، مثل الضريبة على الذبح، والضريبة على أسواق الخضر، والتي رحب بها التجار أيضا، والأمر نفسه تم بالنسبة للفنادق وسوق الأسماك، وهذا كان يوفر مصادر للعمل الخيري، وبالإمكان أن يتم تأطير هذه التجربة التي توفر مداخيل دون أن تؤثر على مقدميها في نص تشريعي وطني. وهناك عدة حلول من أجل استخلاص ضرائب إضافية من أجل دعم الجمعيات، وهي لن تخلق مشاكل”.

يقول الصفريوي، المنخرط في الحملة الترافعية التي يقودها ائتلاف “ميرلا” نطالب على الأقل أنم يتم البدء بجمعيات الرعاية الاجتماعية، لأن مجال الجمعيات شاسع جدا ويتضمن أنشطة قد لا تستحق الإعفاء. لذلك فالإعفاء سيشكل ارتياحا لدى جمعيات الرعاية الاجتماعية، خاصة وأننا لم نتوصل بمنحة سنة 2020، بسبب غياب السيولة، والتحجج بمجموعة من الأعذار لتأخير الدعم.

الصعوبات المالية بالنسبة إلينا واقع دائم، يؤكد رئيس جمعية دارنا، ففي هذه اللحظة التي نتحدث فيها لم نتوصل بالمنح بعد، ولم نؤدي واجبات الممونين منذ سنة 2020 إلى حدود اللحظة، ونؤدي واجبات المستخدمين، مع هذا الوضع يصعب علينا أداء واجبات صندوق الضمان الاجتماعي، وفي حال التأخر نكون عرضة لغرامات التأخر.

نحن نعمل، يشير الصفريوي، في اتجاه القيام بشراكة مع مجموعة من الجمعيات على خلق شبكة وطنية لجمعيات الرعاية الاجتماعية لمواصلة الترافع أيضا، لأن الدستور أعطانا مجموعة من الحقوق ومنها الديمقراطية التشاركية، وتقديم الملتمسات والعرائض، ويجب استغلال هذه المداخيل.

جمعيات الرعاية الاجتماعية، يشدد الفاعل الجمعوي، عليها أن تتجاوز المقاربة الإحسانية، وأن تتبنى المقاربة الحقوقية والاجتماعية، لأن الأطفال مثلا من حقهم أن يستفيدوا من هذه الخدمات بمواصفات اجتماعية ومعايير علمية ونفسية، وأن نعمل على إدماجهم لا أن نحتفظ بهم ىالمراكز مدى الحياة.

هذه مصادر دخل جمعية رعاية اجتماعية وهكذا تصرفها

بالنسبة للواقع المالي بجمعية دارنا بالصويرة، يؤكد رئيسها عزيز الصفريوي “لدينا 60 طفلا تتراوح أعمارهم من الرضاعة إلى سن الثامنة عشر، يكلف كل واحد منهم ما بين 2000 و3000 درهم شهريا، ذلك أننا نرى فيهم استثمارا، لأنه لا يمكن أن نربي هؤلاء الأطفال لأربع سنوات ونتخلى عنهم بعدها”.

تناهز ميزانية جمعية دارنا، وفق احصائيات توقعية لسنة 2021، حوالي 2 مليون و300 ألف درهم، تساهم فيها الدولة، عبر التعاون الوطني ووزارة التضامن واللجنة الإقليمية للتنمية البشرية، ب700 ألف درهم أي ما يناهز 30 بالمئة من حجم المداخيل، في حين تناهز المداخيل القارة للجمعية، المتمثلة في انخراطات الأعضاء وأكرية العقارات، 612 ألف درهم، أي 27 في المئة، ومنها أيضا 250 ألف درهم ممثلة في مساهمات الشركاء المدنيين والخواص، بنسبة 11 في المئة، ثم الجزء الأكبر المتعلق بمساهمات المحسنين، وهو ممثل في 738 ألف درهم أي 32 ألف درهم.

يؤكد الصفريوي أنه أمام هذه الإحصاءات وفي غياب منحة التعاون الوطني منذ سنة 2020، لكم أن تتخيلوا كيف يمكن للجمعيات تدبر المداخيل، خاصة أمام تراكم الواجبات، وضعف باقي المداخيل الأخرى.

ومن جانب المصريف، يشرح المصدر أن أكثر من نصف الميزانية، أي 51 في المئة يصرف كأجور للمستخدمين، إذ تقدر بمليون و170 ألف درهم. في حين تذهب 28 في المئة من الميزانية كتكلفة المصاريف الخاصة بالمستفيدين، أي ما يناهز 634 ألف درهم. وتصرف 15 بالمئة، أي ما يعادل 349 ألف درهم، كتكلفة لمصاريف الخدمات والصيانة، و6 بالمئة، أي 147 ألف درهم، كتكلفة مصاريف التدبير الإداري.

في حال تم إعفاء أجور الموظفين، يتابع الصفريوي، فهذا يعني 25 بالمئة من نسبة 51 بالمئة التي تمثلها أجور المستخدمين، أي سيتم توفير حوالي 250 ألف درهم، وهذا مبلغ مهم بالنسبة إلينا، على الأقل لتمكين هؤلاء المستخدمين من حقوقهم المدنية والاجتماعية، إذ أننا لحدود اللحظة لا نستطيع التصريح بكل المستخدمين لدى صندوق الضمان الاجتماعي، كما أن هناك جمعيات تشغل مستخدمين بمبالغ تتراوح بين 1000 و1500 درهم للشهر، وهذا مبلغ هزيل جدا.

وأضاف الصفريوي نتكفل ب60 مستفيد في حين أن الرخصة التي نتوفر عليها تسمح لنا بعدد 120 مستفيد، ولا نستطيع تغطية هذا العدد لأنه ليس لدينا الميزانية الكافية لذلك، وحفاظا على جودة الخدمات التي نقدمها لا نستطيع زيادة العدد وقد نضطر لتخفيضه في حال انخفضت الميزانية. بالفعل يوجد أطفال في وضعية صعبة لكن لن نستطيع إنقاذهم بهذا الشكل.

برلماني: الإعفاء الضريبي يجب أن يشمل جميع الفاعلين في الحقل المدني

أفاد جمال بنشقرون كريمي، النائب البرلماني عن حزب التقدم والاشتراكية، بأن مطالب الإعفاء الضريبي بالنسبة للجمعيات، وخاصة إعفاء أجور المستخدمين، هي مطالب مشروعة لكن يجب أن تكون في سياق عام وأن تكون في إطار شمولي يتجه نحو جميع الفاعلين في الحقل المدني عامة، من المؤسسات أو الجمعيات أو غيرها التي يؤطرها ظهير 58.

ولفت بنشقرون إلى أنه “يجب التفكير ماليا بأن هذه الأجور غالبا ما تكون بسيطة وهزيلة، ولهذا يجب أن تعفى من الضريبة على الدخل”، مضيفا أنه بهذه الصورة الشمولية سبق لفريق التقدم والاشتراكية أن تطرق لهذه الأمور في تعديلات على قانون المالية غير ما مرة، لكن الحكومة تتشبث بالرفض بناء على معطى التوازن المالي للدولة، لكن في حالة ما إذا اتحدت جميع الجمعيات يمكن إيجاد حلول.

المتحدث نفسه أورد أنه “بالنسبة للجمعيات التي تترافع في هذا المجال، مستعدون لاستقبال مذكرتهم وتبني مطالبهم وملفهم، وأن نتعاون في إطار ما يسمح به القانون، وفي إطار أن يكون هذا المشروع متكامل وشامل”.

فيما يخص الجانب الجمركي، أكد كريمي، بأنه يجب أن يكون هناك تخفيف عن الجمعيات، لكن هذا التخفيف يجب أن يكون مقيدا حتى لا يتم استغلاله من جمعيات غير جادة، وأن تضبط الحكومة العملية من أولها إلى آخرها، مع إعادة النظر في صفة المنفعة العامة.

جمركيا، يضيف كريمي، هناك جمعيات ذات المنفعة العامة تستفيد من الامتيازات بخصوص الإعفاءات الضريبية والجمركية، وكذلك بعض الأعمال الخيرية، وليتم تعميم صفة المنفعة العامة يلزم تعديل قانوني على مستوى قانون المالية وأن يتم إعطاء صفة المنفعة لكل الجمعيات بدون استثناء، وأن يكون هذا التعميم بشكل تدريجي على أن يشمل الجمعيات الخيرية كلها.

وتابع النائب الاشتراكي “استمرار وجود الرسوم الجمركية على الهبات الخارجية أو اقتناء الأجهزة واللوازم من طرف الجمعيات، مرده إلى وجود فوضى واستغلال ومتاجرة من طرف البعض، مما يجعل الرؤية ضبابية بالنسبة للدولة، خاصة ما يتعلق بالهبات والمساعدات الخارجية، لأن المشكل يتعلق بضبط مسارها”.

في السياق ذاته أضاف البرلماني عن حزب “الكتاب” “نساند الجمعيات في ضرورة التقنين وتمتيعهم بامتيازات في هذا الجانب، لكن ما دامت الأمور غير واضحة فهذا يطرح إشكال، لأن هناك نسبة مهمة من الجمعيات تشتغل في فضاءات غير واضحة، وهناك جمعيات أجنبية تنشط وتنسق مع جمعيات مغربية للدخول إلى التراب الوطني، إذن يجب لفت الانتباه إلى أن الأمر يتعلق بالأمن والحماية من الإرهاب ومن الاستغلال السياسي”.

أما فيما يخص إدخال التجهيزات والآليات والمساعدات الخيرية وما تحتاجه الجمعيات المغربية الناشطة خاصة في المجال الإنساني، يؤكد البرلماني بنشقرون أن “هذا أمر مشروع ومتفق حوله، لكن وجب أن يقنن بمجموعة من الضوابط، والحكومة والدولة ما تزال متأخرة في هذا الجانب ولم تقم بمجهود في هذا الاتجاه، ونحن في البرلمان طالبنا بذلك غير ما مرة”.

الجمعيات، حسب بنشقرون، لا يجب أن يكون لديها نظام ضريبي خاص بها، لأنها أصلا ذات طبيعة غير ربحية وذات بعد تطوعي. وهذا يمكن أن يدرجها في القانون الذي جاءت به الحكومة المتعلق بالتطوع التعاقدي، وهو يتضمن العمل الجمعوي الذي يلعب أدوار استراتيجية في التعاقد مع المؤسسات أو الأفراد لخدمة مصالح معينة.

أما بخصوص جوانب أخرى متعلقة باضطرار الجمعيات إلى أداء واجبات صندوق الضمان الاجتماعي للمستخدمين أو الضريبة على الدخل أو غيرها من الاقتطاعات الضريبية، فإن الأمر، وفق بنشقرون، صعب بعض الشيء على الدولة لأنها اتجهت نحو التدبير المفوض لمجموعة من القطاعات عبر مساعدة الجمعيات مقابل منح سنوية، وأداء الضريبة في بعض الأمور تراه الدولة ضروريا لتمويل مثل هذه المشاريع، ولو كانت قادرة على الإعفاء لقامت بهذا الدور هي نفسها دون إسناده للجمعيات.

وعلى مستوى تقييم العمل الترافعي على مستوى البرلمان، أفاد النائب البرلماني، أن هناك مبادرات مهمة، فالمغرب، ولأول مرة في التاريخ كان يتوفر خلال الحكومة السابقة على وزارة مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، وهذه نقطة مهمة جدا تشكل اعترافا بأن المجتمع المدني لديه دور، ولهذا فهذه الوزارة هي التي يجب أن تتبنى مطالب الجمعيات، فقط يجب أن تكون هناك جهود وتعبئة شاملة وأن يكون التفاف حول هذه الحلول بشكل جماعي، وليس فئوي ضيق، وذلك حتى يكتسب منطق قوي.

وحول ما إذا كان هناك سوء فهم بين السياسي والجمعوي، قال بنشقرون أنهما وجهان لعملة واحدة، كلاهما يمارس العمل الاجتماعي، أحدهما بغطاء سياسي واضح متمثل في الحزب السياسي أو النقابات أو غيرها، والآخر يمارس العمل الاجتماعي بشكل آخر.

في ذات السياق يضيف بنشقرون من المفروض أن تكون العلاقة تكاملية بين الاثنين لأن كلاهما يهدف إلى إصلاح أعطاب المجتمع وخدمة المواطنات والمواطنين، لكن قد يحدث أحيانا صراع حول أمور تافهة، لأن الفاعل السياسي يجتهد ليحكم ليقنن مجالات تدخل باقي الفاعلين، بما فيهم الجمعيات، وعموما هذا نقاش واسع جدا، مما يجعل عدم وضوح الرؤية وغياب الالتقائية بين هذه الأطراف على مستوى التوجهات العامة يؤدي دائما إلى الاصطدام بينها، ويجعلها دائما تائهة مما يضيع الفرص على المواطنين الذين لا يستفيدون أي شيء.

بنجلون: مطلبنا الأساس نظام ضريبي عادل للجمعيات

أكدت كريمة تويمي بنجلون، مسؤولة البرامج بالجمعية المغربية للتضامن والتنمية، ومنسقة حركة مبادرات من أجل إصلاح المنظومة القانونية لعمل الجمعيات “ميرلا”، أن “الجانب المالي والجبائي يؤثر على مالية الجمعيات بشكل كبير، ذلك أن القانون المغربي لا يميز بين الجمعيات والشركات، ولهذا فالمطلب الأساس هو خلف نظام ضريبي عادل للجمعيات”.

لأن المفارقة الغريبة، تضيف تويمي، هي أن “الشركات لديها مداخل وأرباح، في حين أن الجمعيات تشتغل بمنح أو إعلانات طلبات مشاريع، التي تكون إما في إطار البرامج الوطنية أو إطار التعاون الدولي؛ على مستوى البرامج الوطنية توجد البرامج التي تعلنها الوزارات، وعلى مستوى التعاون الدولي توجد إعلانات لمنظمات دولية مثل الاتحاد الأوروبي، أو الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أو السفارات أو غيرهم من الممونين الذين لديهم مسطرة خاصة في انتقاء المشاريع”.

الجمعيات إذن، تشرح كريمة تويمي بنجلون، ليس لها أرباح وتقدم خدمة عمومية، وحتى في شق المنح والشراكات مع القطاعات العمومية، والتي تكون فيها الجمعيات مساهمة في تنفيذ الاستراتيجيات لا توجد امتيازات، إذ يتم إعطاء الجمعيات منح مالية من أجل تنفيذ المشروع فقط، وأثناء التنفيذ تبدأ الاكراهات.

في حالة أرادت الجمعية التعاقد مع خبير عليها أن تدفع عنه 30 بالمئة كضريبة على الدخل تقتطع من ميزانية المشروع، والأمر نفسه بالنسبة للتعاقد مع مكونين، وعند اقتناء تجهيزات أو معدات تلزم بأداء TVA، وفي حالة أرادت أن تكلف مسؤولا على تنفيذ المشروع يجب أن تؤدي كافة المستحقات من الضريبة على الدخل وصندوق الضمان الاجتماعي وغيرها.

وتتابع بنجلون حديثها قائلة “عندما نقوم بجمع هذه المصاريف نجد أنها ميزانية مهمة، التي من الممكن في حال بقائها أن تستثمر في المشروع نفسه، في حالة مثلا أردت تكوين عشر جمعية بالإمكان تكوين عدد أكبر. وهذا التأثير يظهر بشكل جلي خاصة في حالة جمعيات الرعاية الاجتماعية، مثلا جمعيات رعاية الأطفال المتخلى عنهم، والتي من الممكن في حال اعفائها أن تتكفل بعدد أكبر من الأطفال في وضعية الشارع، عبر إضافة مربيات أو غيرها من الأمور.

المشكل الذي نعيشه، تضيف تويمي بنجلون، هو أن الجمعيات إضافة إلى أنها لا تستفيد من امتيازات، فإن المداخيل التي تمتلكها تقوم الدولة باسترجاع جزء مهم منها عبر طرق متعددة، كأنها تعطي بيد وتأخذ باليد الأخرى، وبالتالي فالأثر المراد تحقيقه لن يكون بالفعالية المرجوة.

المتحدثة عن ائتلاف “ميرلا” تضيف أنه من بين المشاكل أضا أن جمعيات شريكة مع وزارة التضامن تتأخر عنها المنح السنوية، وهذه الجمعيات لديها مستخدمين تتأثر أجورهم، وفي حالة تأخر الجمعية في أداء مستحقات الضريبة على الدخل والتسجيل في صندوق الضمان الاجتماعي وغيرها تتراكم عليها هذه الواجبات التي يضاف إليها غرامات عن التأخر، بالرغم من أن الجمعية لا تتحمل المسؤولية في التأخير. وما يحصل هو أن صندوق الضمان الاجتماعي يراسل الجمعيات عن طريق المحكمة للأداء لأنها نظرهم شركات.

وأفادت المتحدثة أنه بالرغم من أن هذه الجمعيات والمؤسسات تحمل عبء كبير عن الدولة، سواء تكفلها بالأشخاص المسنين، أو الأشخاص في وضعية إعاقة، أو الأطفال المتخلى عنهم، أو النساء ضحايا العنف أو غيرهم، إلا أنهم لا يستفيدون من امتيازات والأكثر من ذلك أن القانون يعتبرهم بمثابة شركات، مضيفة “نطالب على الأقل بالبدء تدريجيا من هذه الجمعيات بالرغم من أنه في الأصل كل الجمعيات تقوم بمهام تندرج في التنمية البشرية وتستحق الاعفاء والامتيازات”.

وعن وجود جمعيات تريد استغلال وضعيتها للتهرب من الأداء والاستفادة من الأرباح، قالت المتحدثة أن في القانون لا توجد جمعيات بغايات ربحية، توجد خدمات مؤدى عنها تقدم في إطار المراكز، لتضمن التسيير الذاتي، وهذا الأمر موجود مثلا في مراكز تأطير النساء التي تتم المساهمة فيها بمبلغ مالي مثلا لأداء أتعاب المربية، أو لوضع أطفالهم في الروض أو غيرها، لدى يجب التمييز بين الجمعية التي تدبر والمركز الذي يقدم خدمات مؤدى عنها بشكل رمزي.

في السياق ذاته أضافت كريمة تويمي بنجلون بأن في أي مجال يوجد الصالح والطالح، ولا يمكن أن نتحجج بعدم خروج قانون معين فقط لأننا نشك في أن هناك من سيتحايل عليه، الأصح أن يتم إخراج القانون وأن تكون هناك أشكال للرقابة والعقاب في حال خرق القانون، لكن أن نضيع فرص على فئة عريضة من المجتمع أو على الجمعيات التي تساهم مع الدولة في تنزيل استراتيجياتها فهذا غير مقبول.

+لتغيير هذه الوضعية، تؤكد تويمي بنجلون، نقوم سنويا، تزامنا مع إعداد قانون المالية بتوجيه مذكرة ترافعية، مثلا خلال هذه السنة 2021، قدمنا مذكرة تراعي الظرفية التي تمر منها بلادنا، وتركز على ثلاث مطالب، بعدما تم قبول مقترح رابع. وفي كل سنة نقوم بالعملية نفسها، ونشتغل على مجموعة من الجزئيات، لكن يبقى المطلب الأساس بالنسبة إلينا هو إخراج نظام ضريبي خاص بالجمعيات.

وحول أشكال الترافع التي يقوم بها ائتلاف “ميرلا” في كل سنة وتزامنا مع إعداد قانون المالية نراسل الوزارات لإقناعهم بأهمية هذا الجانب، لكنهم يعيدون في كل مرة مجموعة من الوعود دون أن تحقق، وبالنسبة إلينا هذا تمرين سنوي نقوم به، وعند خروج قانون المالية نسهر على دراسته ونقدم مقترحات ونتواصل مع الفرق البرلمانية بمجلس النواب لإدخال التعديلات، ثم نقوم بتقييم ماذا تحقق ونمر بعد ذلك إلى مجلس المستشارين، وبعد التصويت نقوم بنفس عملية التقييم، وطيلة السنة نصدر بيانات وننظم لقاءات لتذكير الرأي العام والجهات المسؤولة بأهمية تخصيص نظام مالي وجبائي خاص بالجمعيات المدنية، إذ نريد أن يصبح هذا الأمر ضمن أولويات الدولة.

جزولي: نتائج إعفاء الجمعيات ستكون أفضل من نتائج الضرائب على عملها

معلوم أن جمعيات المجتمع المدني ليست لها طبيعة ربحية، فماهي أسباب عدم تخصيص نظام ضريبي خاص بها في نظركم؟

بالرغم من مرور 63 سنة (1958-2021) على صدور ظهائر الحريات العامة، وضمنها القانون المنظم للجمعيات، لم تستوعب عقلية صناع القرار، وضمنهم صناع القرار التشريعي، الأدوار الكبرى التي يمكن أن تقوم بها الجمعيات لصالح التنمية، ولصالح مساعدة باقي مؤسسات الدولة في تحقيق الأهداف المعلنة للسياسات العامة. وهذا يعود أيضا لاستشراء النظرة البيروقراطية الخاطئة وسط صناع القرار، والتي تقوم على الاعتقاد بأن “الإدارة هي صانعة التنمية”. وهنا نتحدث عن السياسات الرئيسية والملفات الكبرى من قبيل سياسات الصناعة والتجارة، والمالية، والبنيات التحتية، والتشغيل، والتعليم والصحة والسكن …ألخ.

لنكون منصفين، سبق تأسيس جمعيات للاشتغال على مواضيع مهمة من قبيل التنمية الاجتماعية، ومحاربة السرطان، وتنظيم الأسرة، والطفولة، والإعاقة وغيرها. ومنحت لهذه الجمعيات صفة المنفعة العامة التي تمكنها، وحدها دون غيرها، من إعفاءات ضريبية بعد القيام بعدد من الإجراءات. وهناك إعفاءات على اقتناء مواد وإجراء بعض المعاملات من طرف الجمعيات. لكن هذا جد محدود ويجب أن يتوسع الإعفاء الضريبي ليشمل جميع الجمعيات، باعتبار الجمعيات لا تهدف إلى الربح.

وحده الوعي الجدي والعملي بالدور الأساسي للجمعيات في إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية هو الذي سيجعل صناع القرار ينتبهون للجمعيات ويمكنونها من إطار قانوني يساعدها على أداء مهمتها لتقوم بتقديم تلك الإضافة النوعية المنتظرة من أجل تفعيل السياسات وجعلها تحقق نتائج أكبر.

إلى أي حد يؤثر غياب نظام ضريبي خاص بالجمعيات على عملها؟

غياب نظام ضريبي خاص بالجمعيات يعيق عمل الجمعيات ويرهقها ويفوت على المغرب والمغربيات والمغاربة فرصا مهمة للتقدم.

رسميا، لدينا 200 ألف جمعية، حسب ما صرحت به وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان مؤخرا. أي عبء نرفعه عن جمعية واحدة، ندفع بها لاستثماره في المجتمع. مثلا، جمعية تشتغل في الإعاقة وتقدم خدمات إلى 100 شخص في وضعية إعاقة. إذا كان كل شخص يكلفها (مثلا) 2000 درهما شهريا، وهي تدفع ما معدله (مثلا) 50 ألف درهما شهريا في شكل ضرائب مختلفة، فإن الإعفاء سيرفع عدد المستفيدين من 100 إلى 125 شخصا أي نسبة زيادة 25 في المائة فورا وبمجرد صدور النظام الضريبي الخاص بالجمعيات والمبني على الإعفاء. وقس على هذا كل المجالات، وفق عدد الجمعيات، ليتضح لنا بكم سنرفع من أعداد الفئات المستهدفة من خدمات الجمعيات مباشرة في مختلف المجالات.

إن إقرار نظام ضريبي خاص بالجمعيات، لن يكون هدية للجمعيات، بل سيكون أداة لدعم المجتمع.

وماذا عن دور النظام الضريبي المأمول في تعزيز مساهمة الجمعيات في السياسات العمومية؟

إن إشراك الجمعيات في دورة السياسات العمومية (الإعداد والتنفيذ والتقييم)، هدفه إضافة القدرات الخاصة بالجمعيات (التطوعية والمهنية والمؤسساتية) للمساهمة في السياسات العمومية، وهذا ما أقرره الدستور في المادة 12 منه. وأكثر من القدرات، إضافة وجهة نظر الجمعيات التي تكون متخلصة من الحسابات السياسوية والبيروقراطية، ونقلها لانتظارات وانشغالات المواطنات والمواطنين كما هي، وتقديمها للفاعل العمومي لحظة صناعة القرار، حتى تكون القرارات فعالة وناجعة، وتتعامل مع الوضع كما هو، وهذا ما يؤدي إلى تحقيق نتائج، علما أن الجمعيات يمكن أن تساهم في تعبئة موارد مهمة من أجل تنفيذ السياسات.

وإذا رفعنا العبء الضريبي عن الجمعيات، سنجعلها تضع موارد أكبر في خدمة أنشطتها بما في ذلك مساهمتها في جعل إعداد السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها يتم وفق منهجية تشاركية، مما سيرفع من نتائج وأداء السياسات العمومية.

لماذا لا تميز الجهات الرسمية ما بين الجمعيات والشركات؟ ما سبب هذا الخلط؟

شخصيا، لا أجد مبررا لهذا الخلط، سوى غياب تصور استراتيجي للعمل التنموي الشامل، وعدم الوعي العملي، من خلال التدبير اليومي وليس تصريحات المناسبات، بالأدوار التي يمكن أن يقوم بها المجتمع المدني في مختلف مجالات السياسات العمومية وطنيا وجهويا ومحليا.

في رأيكم.. هل إعفاء جمعيات المجتمع المدني من الضرائب سيؤثر على مداخل الدولة في شيء؟ وما حجم هذا التأثير إن كان موجودا؟

إذا قلنا إن درهما واحدا يعتبر مهما جدا بالنسبة لموارد الخزينة العامة، فبكل تأكيد سيتم التأثير. أي إعفاء يؤثر. لكن ما هي الفعالية الاقتصادية والاجتماعية للإعفاء؟ أعتقد، وكما تمت الإشارة من قبل، إن نتائج الإعفاء ستكون أفضل بكثير من نتائج تضريب العمل الجمعوي.

أكثر من هذا، في العديد من الدول، يتم السماح للشركات بمنح قسط من الضرائب للجمعيات حتى تستثمره في مجالها الذي لا يهدف إلى الربح، أي تعتمد نوعا من الاستثمار المباشر في مجال عمل الجمعيات.  وتعتبر هذه الدول أن عائد المنح المقتطعة من الضرائب والمستثمرة مباشرة في المجالات الاجتماعية وغيرها، يكون أكبر مقارنة بعائد نفس النسبة من الضرائب إذا استلمتها الدولة أولا، وبعد ذلك وجهتها لنفس المجالات، لأن التكلفة الإدارية والمالية لجمع الضريبة وإعادة توزيعها لا تكون موجودة في الحالة الأولى (الاستثمار المباشر).

من الناحية المالية، ماهي المقترحات التي ترونها مناسبة لتطبيق نظام ضريبي عادل للجمعيات؟

هناك قطاعات اقتصادية تتمتع بالإعفاء الضريبي، وبالتالي هناك تجربة مغربية مهمة في التعامل مع الإعفاءات. أعتقد أن الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة والضرائب الجمركية على المقتنيات، ومن رسوم التسجيل والتنبر يجب أن تكون شاملة. بالنسبة للضريبة على دخل أجراء الجمعيات الدائمين والمؤقتين، يجب أن تكون مخفضة، علما أن الجمعيات صارت مشغلا مهما، ويمكن أن تتطور قدراتها التشغيلية بشكل أكبر إذا ما تمتعت بأي تخفيض على الضريبة على الدخل. وللتوضيح، إن مستحقات الضمان الاجتماعي ومختلف التأمينات التي يفرضها القانون على أي مشغل، فلا تدخل في هذا المجال، وهي مكتسبات للعاملين في المجال الجمعوي ويجب الحفاظ عليها وتعزيزها، لأن العمل الجمعوي قوي بموارده البشرية بالأساس، وإقرار الإعفاءات المشار إليها ستساعد على تعزيز القدرات التشغيلية للجمعيات.

*أحمد جزولي: خبير في الحكامة الديمقراطية والسياسات العمومية.
قد يعجبك أيضا
اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.